مجمع البحوث الاسلامية

155

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وعصيانهم تكلّف ، وطاعة البشر تكلّف ، ومتابعة الهوى منهم طبع ، ولأنّه تعالى ذكر من هاروت وماروت ما ذكر ، وهما ملكان . على أنّه لا دليل على أنّ هناك فروقا جوهريّة بين الملائكة والجنّ ، بها يمتاز أحدهما من الآخر ، بل هي فروق في الصّفات فحسب ، والجميع من عالم الغيب ، لا نعلم حقيقتهم ولا نضيف إليها شيئا ، إلّا إذا ورد به نصّ عن المعصوم . ( 15 : 162 ) مكارم الشّيرازيّ : كما نعلم أنّ الملائكة أطهار ومعصومون ، كما صرّح بذلك القرآن الكريم بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ الأنبياء : 26 ، 27 . ويعود سبب عدم وجود التّكبّر والغرور ودوافع ارتكاب الذّنوب لدى الملائكة ، إلى أنّ العقل لا الشّهوة يتحكّم في أعماقهم . من ناحية ثانية ، يتداعى إلى الذّهن من خلال استثناء إبليس في الآيات المذكورة أعلاه - وآيات أخرى في القرآن الكريم - أنّه من صنف الملائكة ، بأنّه كان منهم . وهنا يرد على عصيانه وتمرّده الإشكال التّالي : كيف تصدر ذنوب كبيرة عن ملك من الملائكة ؟ وقد جاء في نهج البلاغة « ما كان اللّه سبحانه ليدخل الجنّة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا » . الآيات المذكورة تحلّ لنا رموز هذه المشكلة ، حينما تقول : ( كان من الجنّ ) ، والجنّ كائنات خفيّة عن أنظارنا ، لها عقل وإحساس وغضب وشهوة ، ومتى ما وردت في القرآن كلمة « الجنّ » فإنّها تعني هذه الكائنات . لكن من يعتقد من المفسّرين بأنّ إبليس كان من الملائكة ، فإنّما يفسّر الآية المذكورة آنفا بمفهومها اللّغويّ ، ويقول : إنّه يفهم من عبارة كانَ مِنَ الْجِنِّ أنّه كان خفيّا عن الأنظار كسائر الملائكة ، وهذا المعنى خلاف الظّاهر تماما . ومن الدّلائل الواضحة الّتي تؤكّد ما ذهبنا إليه من المعنى ، أنّ القرآن الكريم يقول في الآية ( 15 ) من سورة الرّحمن : وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ومن جانب آخر كان منطق إبليس عندما امتنع عن السّجود لآدم خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ الأعراف : 12 . هذا بالإضافة إلى أنّ الآيات الشّريفة أعلاه قد أشارت إلى أنّ لإبليس ذرّيّة في حين أنّ الملائكة لا ذرّيّة لهم . إنّ ما ذكرناه آنفا ، مضافا إليه التّركيبة الجوهريّة للملائكة تثبت أنّ إبليس لم يكن ملكا ، لكن آية السّجود لآدم شملته - أيضا - لانضمامه إلى صفوف الملائكة ، وكثرة عبادته للّه ، وطموحه للوصول إلى منزلة الملائكة المقرّبين . وإنّما بيّن القرآن امتناع إبليس عن السّجود بشكل استثنائيّ ، وأطلق عليه عليّ عليه السّلام في الخطبة القاصعة في « نهج البلاغة » كلمة « الملك » كتعبير مجازيّ . جاء في كتاب « عيون الأخبار » عن الإمام عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام ما معناه : « إنّ الملائكة معصومون ومحفوظون من الكفر بلطف اللّه » . يقول الرّاوي : قلت للإمام : ألم يكن إبليس ملكا ؟ ، فقال : « كلّا ، إنّه كان من الجنّ » . ( 9 : 266 )